(( شهر الصوم وكسر العادة ))

من آثار شهر رمضان العظيمة وثمراته الطّيّبة المباركة، أّنّه يعود المسلم على كسر العادة الّتي تقيّده برتابتها أحد عشر شهراً من العام، وتَأسِرُه في نظام غذائيّ محدَّد المواعيد لا يتغيّر، فيأتي شهرُ الصّوم فيَفُكُّ عن المسلم قيود الرّتابة، ويحرِّرُه من ضيق الأَسر الّذي تفرضُه عليه العادة، ذلك أنّ العادةَ إذا استمرّت وطال أمدُها، تحكّمت في حياة الإنسان واستبدّت به، وأصبح عبداً لها، لا مناص له من الخضوع لأحكامها واستسلام إرادته لسيطرتها ونفوذها، تدعوه فيستجيب لها، وتشير إليه فيطأطئ لها رأسه، وشهر الصوم يحدُّ من الهيمنة القويّة للعادة على الإنسان المسلم، ويشدّ من اندفاعها وتحكُّمها، فيحُلُّ كلَّ عام في موعده ليقول للعادة بلهجة الآمر المطاع: قفي وتراجعي شهراً كاملاً، ودعي المسلم ينطلق من أغلالك فترة من الزمن تعود فيها إليه حريّته من سلطانك، واعلمي أنّ عزيمة المسلم الصّارمة الّتي يخلقها فيه شهر الصوم، قويّةٌ لا تقهرينها، وهمّته العالية الّتي ترفعها هذه العبادة لا ينزلها نظامك اليوميّ الرّتيب، فهو لذلك سيّد نفسه، وصاحب التّحكّم في ظروفه، والقادر على كسر أيّ عادة في اللّحظة التي يرى فيها العادة خطرا عليه، وأن الإذعان المذلّ لسلطانها يعرقل مسيرته أو يصيبه بالخيبة والفشل.
إنّ الحياة متقلبة متغيرة كما تتقلّب الأجواء وتتغيّر المناخات، فهي لا تستقر على حال، ولا تسلك في سيرها طريقا واحدا معيّنا ليس فيه انعطاف ولا انحراف، ولا تبدو دائما بوجه باسم مستبشر، فمن صحّة إلى مرض، ومن عسر إلى يسر، ومن سهل إلى حزن، ومن سلم إلى حرب ومن طمأنينة إلى قلق، وأمن إلى خوف، ومن غنىً إلى فقر، ومن حرية إلى استعباد، ومن هدوء إلى زوابع، ومن حرارة إلى برودة، ومن شبع إلى جوع، ومن عطش إلى ريّ، إلى آخر قائمة طويلة لا نهاية لها من تقلّبات الحياة ومستجداتها. وقد تفاجئ الحياة الإنسان بما لا يخطر له من المضايقات والمحن، وقد تأتيه بما لا عهد له به ولا تجربة، والذي لم يتعوّد كسر العادة الرّتيبة لا يملك القدرة على اقتحام عقبتها، ولا يستطيع أن يتكيّف ويتلاءم مع متغيراتها، ويصيبه الإخفاق عند اصطدامه بأيّ تقلّب طارئ، ويسقط في امتحان أول مواجهة يخوضها في غياب العادة.
والمسلم ليس كذلك، فهو ثابت رزين لا تهزّه صدمة تحدثها المستجدّات، ومذاكر مستعد لاجتياز أيّ امتحان من امتحانات الحياة وما أكثرها، لأن تدربه الطّويل في مدرسة الصّوم شهرا كاملا كل عام، يحصنه بتطعيم ضدّ الآفات الناجمة عن تقلبات الحياة، ويزوّده بطاقةٍ نفسيّةٍ تساعده على التّمرّدِ وعصيان العادة وكسر أنفها، وتربّي فيه الإرادةَ القويّةَ على التّصدي بشجاعةٍ لكلِّ المفاجآت والطّوارئ.
والّذين يفشلون في تحدّي متغيّرات الحياة الصّعبة من البأساء والضّرّاء، والشّدة والحرب، لا يستطيعون أن يحقّقوا إنسانيّتهم الكاملة، ويضعون بأيديهم طوعا سلاسل أغلال العادة تشلُّ إرادتهم، ويرضون أن يكونوا فريسة للتّقلّباتِ بدلا من أن تكون التّقلّباتُ فريسةٌ لقوةِ إرادتهم وقضاء عزيمتهم.
أما نحن المسلمين فقد هيّأ لنا الله رمضان محطّة نقف عندها كلّ عام لنتعلّم من هذا الأستاذ الجليل شيّئا ممّا تحمله حقيبته من العلم والحكمة والفضائل، ولنتمرّن في ساحته الرّحبة المحفوفة بالنّفحات والمعطّرة بالطّيّبات على كسر العادة وانتزاع زمام السّيطرة منها.
وحتى يكون التّمرين شاملا ومحيطا بكلّ المتغيّرات الجوّيّة، يدور رمضان في موعد حضوره مع دورة الفلك، ويمرّ بخطواته الثّابتة عبر الفصول الأربعة، ويرضي كلّ الأجواء من حرارة وبرودة واعتدال في كلتيهما، ومن رطوبة وجفاف وهدوء وزوابع، ليعوّدنا التكيّف مع كلّ الأجواء والتقلّبات المناخيّة، ويمدّنا بالقدرة على مقاومة كلّ الأحوال التي لا تستأذن أحدا إن ارادت أن تظهر بوجهها العبوس الغاضب، أو جفافها الشديد الخانق، فتجد المسلم الّذي تغلّب عليها بالصّبر العنيد في شهر الصّوم، قادرا على التغلّب في غيره من أيّام السّنة، والفضل في ذلك للأستاذ الحكيم والمربّي العظيم شهر الصوم الّذي أعدّها الإعداد الجيّد ودرّبها التّدريب المتقدّم .
لقد حار بعض المؤرّخين الأجانب في قدرة التّحمّل العجيبة النّادرة عند المسلمين في أوقات المحن والشّدائد، فقد خاضوا معارك في أقسى أيّام الصّيف حرارة، وقطعوا مئات الأميال في صحراء تمور بالرّمال المتحرّكة والرّيح السّموم اللّاهبة، حتّى يصلوا إلى أرض المعركة، وكانوا مع قسوة الجوّ وبعد الشّقّة، يمرّون بسنة جدباء قاحطة أكلت الأخضر واليابس، وكان الثّلاثة والأربعة من جند الله يتبادلون مَصَّ تمرةٍ واحدة تبقي على الرّمق من حياتهم، ولا يملك الواحد منهم أن ينفرد بها ويأكلها. وفي هذه الظّروف التي تكتنفها الصّعوب البالغة من كلّ جانب من شدّة الحرب، وبعد المسافة، وضيق ذات اليد من القحط، نجد بعض المسلمين يتولّون راجعين إلى بيوتهم وقد حرموا المشاركة في جيش العسرة المجاهد وأعيُنُهم تفيضُ من الدّمع حزنا ألّا يجدوا ما ينفقون، ولا يجد القائد الرّسول صلّى الله عليه وسلم ما يحملهم عليه من دابّة، في حين أن عدوّهم الّذي كان أكثر منهم عددا وعدّة، يصيب أفراده الهلع عندما ينقص عنهم الخبز يوما، وينهارون بسرعة تحت وطأة ضربة من ضربات الحياة القاسية.
وتفسير الظّاهرة واضحٌ جليٌّ، وهو أنّ المسلم المؤمن يتجاوز كلَّ المحن، ويتغلّبُ على كلِّ التّحدّيات والمصاعب، بالقدرة الخارقة الّتي تلقّى طاقتها الفائقة من عدّة مولَّدات، منها مولّد شهر الصوم، أما الآخرون فلم يعرفوا في حياتهم كسرا للعادة اليوميّة، ولم يتربّوا على صبر تخلّف رغيف الخبز عنهم يوما واحدا، وليس لهم ما للمسلم من قوة الاحتمال وصلابة العزيمة من أجل نصرة الحقّ الّذي آمن به. وليس ذلك لغير المسلم.
قرأتُ مرّةً أنّ ألمانيا قبل خوضها الحرب العالميّة الثّانية بسنوات، قامت بتدريب شبابها على كسر العادة اليومية، وتربيتهم على قوة الصّبر والاحتمال، وذلك بصيام هؤلاء الشّباب عن الأكل والشرب، وفي مختلف التقلّبات الجويّة، وكانوا يغيّرون الجوّ من حرارة وبرودة واعتدال وهدوء وأعاصير بواسطة آلات معدّة لهذا الغرض، قالوا إنّ هذا التدريب في وقت السّلم، هو أفضل طريقة لإعداد الشّاب جنديا ممتازا إذا دعاه داعي الوطن، إذ ليس لنا وقت لنخلق في الشّباب روح الصّبر وإرادة التّكييف والملاءمة مع كلّ الظّروف إذا حلّت المحنة وباغتت الشّقّة، لذلك فلابدّ لنا من أن نربّي في شبابنا هذه الرّوح وقت السّلم ليكونوا مهيّئين مستعدّين في وقت الحاجة والحرب.
وكلام الألمان هذ حقّ، وتوجيههم سليم، وإن جهلوا أن الإسلام سبقهم بهذه النظريّة وقررها قبل أربعة عشر قرنا تقريبا.
ما أكثر فضائلك علينا يا رمضان، وما أغزر عطاءك، وأروع معانيك، وما أجمل إيحاءاتك وفيوضاتك.
أذيع أصل هذه المقال في برنامج مسموع يوم 5/رمضان/ 1977م.
عبد اللطيف أحمد الشويرف.